الشيخ عبد الغني النابلسي

150

كتاب الوجود

أهل اللّه ، وزاد عليهم وعلى الفلاسفة أيضا في اعتبارهم ذلك وعدم اعتبارهم جانب العقل ، وهو ضلال واضح ، ومما يدلك على أن الفلاسفة لهم أصل نبوي فيما ذهبوا إليه كالمحققين من الصوفية وإن كانوا قد أفسدوا بعقولهم وآرائهم دون المحققين ما ذكره الشهرستاني في الملل والنحل « 1 » قال : عدلت إلى ذكر هرمس العظيم ، لا على أنه من جملة الفرق الصائبة - حاشاه - بل على أن حكمه مما تدل على تقرير مذهب الحنفاء في إثبات الكمال في الأشخاص البشرية ، وإيجاب القول باتباع النواميس الإلهية ، وقال : حكم هرمس العظيم المحمود آثاره المرضى أقواله ، الذي يعد من الأنبياء الكبار ، ويقال هو إدريس عليه السّلام ، ويقال إن عاديمون وهرمس هما شيت وإدريس - عليهما السلام - ، ونقلت الفلاسفة عن عاديمون أنه قال : المبادئ الأول خمسة : الباري تعالى ، والعقل ، والنفس ، والمكان ، والخلاء ، وبعدها وجود المركبات ، ولم ينقل هذا عن هرمس ، بل نقل عنه أول ما يجب على المرء الفاضل بطباعه المحمودة بسجية المرضى في طاعته ، المرجو في عاقبته تعظيم اللّه عز وجلّ وشكره على معرفته . . . إلى آخر ما ذكره من الحكم والأسرار والمواعظ والآثار المنقولة عن هرمس العظيم ، وقد تبعته الفلاسفة ثم أفسدوا مذهبه ودينه بما فهموه بعقولهم المظلمة بكفرهم بالأنبياء بعده وبغير ذلك ، فللفلاسفة أصل عظيم نبوي في مسألة الصوفية « 2 » ؛ ولكن المحققين ثبتوا على الاتباع ، ولم يتألوا بعقولهم شيئا ، وخاض الفلاسفة بآرائهم وعقولهم فكفروا .

--> ( 1 ) كتاب الملل والنحل للشهرستاني : وهذا الكتاب لا غنى عنه في التعرف على آراء المتكلمين والفلاسفة ، وإن كانت بعض الأقوال الواردة فيه ينبغي أن تؤخذ بحذر ، وخاصة تلك التي تتعلق بآراء الفلاسفة اليونانيين . ( 2 ) ظهر في القرن الثالث والرابع اتجاهان للتصوف ، وهما : اتجاه سني ، واتجاه فلسفي ، وفي القرن الخامس الهجري استمر الاتجاه الأول واختفى الاتجاه الثاني ، ولم يظهر إلا في القرن السادس والسابع الهجريين ، ورأى بعض الباحثين أن هناك اتجاها آخر في التصوف وهو اتجاه سلفى ظهر عند الكرامية ، ثم الهروي ، ثم عند ابن تيمية نفسه ، فكتب أجمل الصفحات في التصوف على طريقته ، ثم ظهر كاملا عند تلميذه ابن القيم . ( انظر : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ، الجزء الثالث ) .